بيان صحفي

غدوة خير… التضامن سبيلنا لتجاوز التحديات وبناء أجيال واعدة

٢٠ مارس ٢٠٢٦

مقال رأي بمناسبة عيد الاستقلال وعيد الفطر 
بقلم رنا طه المنسّقة المقيمة* لمنظومة الأمم المتحدة في تونس 

(أعلى مسؤول  لمنظومة الأمم المتحدة على مستوى الدولة)* 

صورة: © Nations unies

 

يحِلُّ عيدُ الفطر هذا العام متزامنًا مع ذكرى الاستقلال، في تلاقٍ نادر لا يتكرر إلا كل ثلاثة وثلاثين إلى خمس وثلاثين سنة. ورغم اختلاف طبيعة المناسبتين، فإن رمزيتهما تتقاطع بعمق؛ فالعيد مناسبة تُجدَّد فيها قيم الرحمة والتضامن والتآزر، فيما تُذَكِّرُنا ذكرى الاستقلال بالمسار الوطني الذي اختار فيه التونسيون طريق السيادة وبناء الدولة 

واجتماع هاتين المناسبتين في لحظةٍ واحدة يمنح البلاد فرصة ثمينة لتجديد العهد على تعزيز التضامن، وتعميق الإرادة الجماعية للمضيّ نحو مستقبل أكثر عدلًا وتنميةً وازدهارًا. وتحتاج تونس اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا النفس الواقعي، وإلى تعزيز روح التضامن في ظل ما يشهده العالم من تحديات قاسية واضطرابات متزايدة وتآكل في الثقة بقدرة النظام الدولي على احتواء الخلافات في إطار القانون الدولي. 

 

وهنا يظهر الشرخ الكبير في رؤية الواقع ومستقبل البشرية اليوم. فديناميكيات الأمم المتحدة ما هي إلا انعكاس لهذا الشرخ الذي قسم العالم وتركنا جميعًا نحدق في هذه الهاوية المظلمة؛ خائفين على مستقبل أطفالنا فيما نشعر بارتجاج الأرض تحت أقدامنا 

ننسى أن الجسر التاريخي الذي بُني لمعالجة هذه الهاوية المظلمة قد أُقيم على أسس متينة من القيم المشتركة: السلام، وكرامة الإنسان، والعدالة، والمساواة التي شكلت ميثاق الأمم المتحدة.  

لقد وُلدت الأمم المتحدة قبل ثمانين عامًا من رحم حرب عالمية مدمّرة، عندما أدركت البشرية أن السلام الدائم/المستدام لا يمكن أن يُبنى بالقوة وحدها، بل بالالتزام المشترك بالقانون الدولي وبالكرامة الإنسانية. وتستمدّ منظمة الأمم المتحدة قوتها من إرادة الشعوب والدول في مدّ جسور التعاون والعمل الجماعي إدراكًا بأن التحديات الكبرى لا تعترف بالحدود ولا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها. ويحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تونس وجميع أصدقائها لمواصلة المشاركة والدفاع عن هذا الجسر التاريخي. 

 

 وإلى جميع المتشككين في الأمم المتحدة، أقول: الأمم المتحدة هي أنتم وأنا وليست فقط     ” الآخر“. الأمم المتحدة هي انعكاس لما تريده الدول الأعضاء وما تصنعه منها. الأمم المتحدة هي حلمنا بمستقبل أفضل. حلم قد يحتاج التحديث وقد يستفيد من الابتكار لكن تبقى جذوره عميقة مثل أشجار الزيتون التونسية المعمرة - متجذر في العدالة والكرامة الإنسانية.                 

وقد برهنت التجارب، أن تضافر جهود الدول وتكاتفها في عملٍ مشترك ومنسق عندما يقترن بالتزام صادق، قادر على إحداث فارق ملموس في حياة الملايين. فعلى مدى ثمانين عامًا، ساهمت منظومة الأمم المتحدة، عبر وكالاتها المتخصصة، في حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتوسيع فرص التعليم والصحة، والاستجابة للأزمات الإنسانية. فقد رعت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أكثر من 122 مليون شخص فرّوا من الحروب والاضطهاد، ووفّر برنامج الأغذية العالمي الغذاء لما يزيد على 160 مليون شخص في 120 دولة. كما تمكنت منظمة الطفولة من تلقيح نحو 45٪ من أطفال العالم وإنقاذ حياة أكثر من 150 مليون طفل. وساهمت منظمة الصحة العالمية وبرامج الأمم المتحدة الصحية في حماية ملايين الأرواح من أوبئة فتاكة، ولعبت دورًا محوريًا خلال جائحة كوفيد-19. كما استفادت 2.8 مليار امرأة وفتاة من قوانين وخدمات أساسية لضمان حقوقهن. وهذه بعض الأمثلة البارزة على ما يمكن تحقيقه عندما تتكاتف الدول في إطار التعاون الدولي. 

 

وفي هذا المسار، تحتل تونس مكانة خاصة. فمنذ استقلالها، اختارت الانفتاح على العالم والانخراط الفاعل في التعاون الدولي، وأسهمت في دعم السلم والأمن في مناسبات عدة، نذكر منها، استقبال تونس لآلاف الجزائريين، واحتضان قادة حركة تحرير فلسطين عام 1982، وفتح الأسر التونسية منازلها لاستضافة اللاجئين الليبيين عام 2011. كما شاركت تونس في 26 عملية لحفظ السلام منذ الاستقلال، وعبّرت في محطات متعددة عن التزامها بالحوار وبالحلول الجماعية. وإلى جانب هذا الدور الدولي، راهنت تونس على مدى عقود على الاستثمار في الإنسان، باعتباره أساس التنمية المستدامة، مع التركيز على التعليم والعمل اللائق والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. واليوم، تواجه تونس، كسائر دول العالم، تحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة. 

 

 ونحن في منظومة الأمم المتحدة في تونس نعتزّ بشراكتنا مع المؤسسات الوطنية في مرافقة هذه الجهود، من خلال دعم السياسات الرامية إلى تعزيز الإنصاف والإدماج، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتمكين الشباب والنساء والأشخاص ذوات وذوي الإعاقة، وتعزيز الصمود الاقتصادي والبيئي في مواجهة الأزمات المتلاحقة. ويمثّل العمل المشترك بين منظومة الأمم المتحدة والدولة شراكة استراتيجية رفيعة تجسد إلتقاء الإرادة الوطنية مع الالتزام الدولي من أجل تحقيق تحول تنموي عميق ومستدام مبني على الشفافية والثقة الراسخة. 

فمن خلال توحيد الرؤى وتكامل الجهود، تسخر الخبرات والموارد لدعم أولويات الحكومة وتسريع وتيرة إنجاز أهدافها بكفاءة وفعالية. وفي الآن ذاته، يشكّل هذا التعاون رافعة حقيقية لإعادة تشكيل منظومة الأمم المتحدة، عبر ترسيخ نموذج أكثر نجاعة وابتكارا وقدرة على الاستشراف والتكيّف مع التحولات المتسارعة. إنها شراكة لا تقتصر على مواكبة التحديات، بل تسعى إلى استباقها وصناعة حلول متجددة، بما يعزّز الأثر ويؤسس لتنمية أكثر صلابة قادرة على الصمود في وجه الأزمات. 

 

وفي خضم كل هذه التحديات العالمية، تبقى الحقيقة الأوضح أن مستقبل الإنسانية لا يُكتب في ساحات الحرب، بل في مدارس الأطفال، وفي مختبرات الابتكار، وفي مبادرات الشباب الذين يرفضون الاستسلام لليأس، ويختارون أن يصنعوا الأمل والتغيير بأيديهم. 

ولهذا السبب، فإن الاحتفال بعيد الفطر وعيد الاستقلال ليس مجرد مناسبة رمزية، بل دعوة صادقة للتأمل في القيم التي تجمعنا: التضامن، والتآزر، والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا اخترنا أن نعمل معًا من أجله. 

وفي تونس، يتردّد على الألسن قولٌ بسيط في لفظه، عميق في دلالته: "غدوة خير". عبارة تختزل رؤيةً متكاملة للحياة، قوامها الإصرار على الفعل، والتشبث بالأمل والثقة في قدرة الإنسان على التغيير 

غدوة خير" ليست مجرد عبارة… بل مسؤولية 

فمستقبل تونس لا يُبنى بالأمنيات، بل بالعمل والجرأة والتحرك معًا. 

أنا أؤمن بتونس التي تصنع الفرص، بشبابها، بنسائها ورجالها، وبعقول لا تخاف التغيير. 

الأمم المتحدة فضاء لكم — لكنه بلا معنى دون مشاركتكم. 

إذا أردنا مستقبلًا أفضل لأطفالنا، فلنصنعه بأنفسنا. 

"غدوة خير"… إذا قررنا، من اليوم، أن نصنعه. 

 

 وإن شاء الله تونس تبقي متألقة بأجيالها، قوية بشبابها، مبدعة بعقول أبنائها وبناتها، تواصل مسيرتها نحو مستقبل أكثر إشراقًا وعدلًا. 

 

المنسقة المقيمة

رنا طه

مكتب المنسق(ـة) المقيم (ـة)
منسقة الأمم المتحدة المقيمة في تونس
عين الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رنا طه، من الأردن، في منصب المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في تونس، بموافقة الحكومة المضيفة، اعتبارًا من 19 جوان 2025.
تتمتع السيدة طه في هذا المنصب بخبرة متنوعة تزيد عن 20 عامًا في وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها، فضلاً عن بعثات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة. قبل تعيينها في تونس، شغلت منصب رئيسة الفريق والمستشارة الرئيسية للسلام والتنمية لدى الأمم المتحدة في كينيا.

من 2015 إلى 2019، شغلت عدة مناصب في إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام (DPPA) وإدارة عمليات حفظ السلام (DPO) في مقر الأمم المتحدة، حيث قادت البرنامج الإقليمي للشرق الأوسط/شمال أفريقيا لحفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة.

عملت السيدة طه سابقاً في بعثات الأمم المتحدة في لبنان (FINUL, UNSCOL) والسودان (MINUS et MINUAD)، لا سيما كمساعدة خاصة ومستشارة للممثلين المتعاقبين للأمين العام من عام 2007 إلى عام 2015.

ومن عام 2003 إلى عام 2007، شغلت منصب ممثلة منظمة إنتربيس ومسؤولة البرامج في مكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع (UNOPS) في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي وقت سابق من حياتها المهنية، عملت باحثة في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح في سويسرا من عام 2001 إلى عام 2002.

تحمل السيدة طه درجة الماجستير في العلاقات الدولية والسياسات العامة من جامعة ماكماستر، بالإضافة إلى درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة الأردن. وهي متزوجة وأم لابن واحد.

كيانات الأمم المتحدة المشاركة في هذه المبادرة

الأمم المتحدة

الأهداف التي ندعمها عبر هذه المبادرة